ابراهيم بن محمد البيهقي
361
المحاسن والمساوئ
رؤوس هذه الجماعة وتقعد مع خصمك حيث يقعد ثمّ يكون محقّا وتكون مبطلا ! فكيف إن كنت في صفته وكان في صفتك ؟ فوجّه إليه من يحوّله من بابنا إلى رحلك وأنصفه من نفسك وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا ، ولا تجعل لنا ذريعة إلى لائمتك ، فو اللّه لو ظلمت العبّاس ابني كان أهون عليّ من ظلمك ضعيفا لا يجدني في كلّ وقت ولا يخلو له وجهي ، ولا سيّما من كان يتجشّم السفر البعيد ويكابد حرّ الهواجر وطول المسافة . قال : فوجّه إليه أحمد بن هشام فحوّله إلى مضربه وكتب إلى عامله بردّ ما أخذ منه ، ووصل الرجل بأربعة آلاف درهم . قال : وتنازع رجلان بباب الجسر أحدهما من العظماء والآخر من السّوقة فقنّعه الرجل فصاح السّوقيّ : وا عمراه ذهب الإسلام ! فأخذ الرجل وكتب بخبره إلى المأمون ، فدعاه وقال له : ما كانت حالك ؟ فأخبره . وأحضر خصمه وقال له : لم قنّعت هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين هذا رجل معاملي وكان سيّئ المعاملة وكنت صبورا على ذلك منه ، فلمّا كان في هذا اليوم مررت بباب الجسر فأخذ بلجام دابّتي وقال : لا أفارقك حتى تخرج إليّ من حقّي . فقلت له : إني أبادر إلى باب إسحاق بن إبراهيم . فقال : واللّه لو جاء إسحاق ومن ولّى إسحاق ما فارقتك . فما صبرت حين عرّض بالخلافة أن قنّعته فصاح : وا عمراه ذهب الإسلام منذ ذهب عمر . فقال للرجل : ما تقول ؟ قال : كذب عليّ وقال الباطل . فقال الرجل : لي جماعة يشهدون على مقالته يا أمير المؤمنين ، فإن أذنت لي أحضرتهم . قال المأمون للرجل : من أين أنت ؟ قال : من أهل فامية « 1 » . فقال : أما أنا عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، كان يقول : من كان جاره نبطيّا واحتاج إلى ثمنه فليبعه . فإن كنت إنّما طلبت سيرته فهذا حكمه في أهل فامية . ثمّ أمر له بألف درهم وأمر صاحبه أن ينصفه . وحدّثنا أبو الفضل الهاشمي عن قحطبة بن حميد بن قحطبة قال : قعد المأمون للمظالم ذات يوم فلم يزل قاعدا إلى أن قلنا قد فاتته الصلاة ، فكان آخر من دعي امرأة فقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته . فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم فقال : وعليك السلام ، تكلّمي يا أمة اللّه . فقالت : يا خير منتصف يهدى به الرّشد * ويا إماما به قد أشرق البلد أشكو إليك عقيد الملك أرملة * عدا عليها فلا تقوى به الأسد فابتزّ منّي ضياعي واستبدّ بها * ففارق العيش مني الأهل والولد فقال المأمون :
--> ( 1 ) مدينة كبيرة من سواحل حمص .